النانوتكنولوجي فرصة لعبور آخر لمصر
كانت تلك هي المرة الأولي التي أذهب فيها إلي مركز الدراسات المستقبلية التابع لمركز المعلومات بمجلس الوزراء بدعوة من اللواء محمد شريف لحضور ندوة عن استخدامات وتطبيقات النانوتكنولوجي يحاضر فيها العالم المصري المتميز دكتور محمد النشائي, ويديرها د.محمد ابراهيم منصور مدير المركز, وقبل أن أتطرق لما دار في الندوة اسمحوا لي أن أسجل عدة ملاحظات جديرة بالتسجيل أولا: لم أكن أعلم أن في مصر مركزا علي هذا المستوي من الكوادر والكفاءات التي تخطط وتضع تصورات في المجالات المختلفة في مصر لعام2030, في الوقت الذي تفاجأ فيه بعض الهيئات والمزارات بقدوم شهر رمضان كل عام في موعده! وسقوط الأمطار في الشتاء فجأة وغرق الشوارع! ثانيا: فوجئت بوجود مجموعة من العلماء المتخصصين في النانوتكنولوجي علي أعلي مستوي من الكفاءة والخبرة في هذا المجال وعلي رأسهم دكتور محمد شريف الإسكندراني نائب رئيس أكاديمية البحث العلمي, وبعض علماء مشروع الطريق إلي نوبل بالمركز القومي للبحوث الذي يرأسه العالم النشيط صاحب الرؤية المستقبلية دكتور هاني الناظر, إذن فالكوادر البشرية التي يمكن أن نبدأ بها هذه الثورة العلمية موجودة. ثالثا: كم كان حزني
وأسفي حين سمعت من د.شريف الإسكندراني أنه بعد أن أنهي دراسته في اليابان في مجال النانوتكنولوجي, سمحت له الجامعة بأن يحمل معه إلي مصر الآلات والأجهزة والميكروسكوب الإلكتروني المتميز, والتي كان يعمل عليها بما يعادل30 مليون دولار, ولكنه فشل في توفير مليون جنيه مصري لنقل وشحن هذه المعدات إلي مصر من أي جهة, فاضطر إلي شحن ما أمكنه من ماله الخاص, وترك الباقي مأسوفا عليه وعلي الروتين.
أما عن محاضرة د. النشائي فقد كانت بحق ممتعة لأنها ببساطة تجعلك تري الخيال العلمي الذي تراه في الأفلام, وتقرأ عنه في الكتب, وقد أصبح حقيقة علي أرض الواقع وفي متناول الأيدي, فهذه هي الطائرة التي تم طلاؤها بجزيئات نانوية تمتص الضوء أو الإشعاع ولا تجعله يرتد فلا يرصدها أي رادار, وفي مجال صناعة السيارات تم استخدام طرق ومواد نانوية جديدة في مجالات الطلاء والتغليف والعزل والمساهمة في تخفيف وزن السيارات وزيادة صلابتها, وبالتالي تخفيض استهلاكها من الوقود. وهناك العديد من الأبحاث في مجال تطوير وتصنيع عجلات السيارات لكي يكون لها خاصية التلاؤم الأتوماتيكي مع ظروف الطقس وطبيعة الأرض والعوامل الخارجية لكي تصبح مثل سيارة جيمس بوند التي تحمل الأعاجيب.
ولقد فتحت التكنولوجيا النانوية آفاقا جديدة في المجال الطبي والجراحي, وهناك دراسات عديدة من أجل تطوير روبوتات نانوية يمكن إرسالها إلي داخل الجسم للتعرف علي الخلايا المريضة وتحديد مكانها وعلاجها, وكذلك للتعرف علي مسببات الأمراض ومعالجة الأمراض المستعصية والأورام الخبيثة, وفي عالم الأدوية: توصل العلماء الأمريكيون إلي طريق علمية جديدة لمكافحة البكتيريا القاتلة التي أصبحت مقاومة للمضادات الحيوية, والبكتيريا المحورة وراثيا التي تستخدم كسلاح بيولوجي, ويعتبر هذا النوع الجديد من الأدوية الذكية بديلا غير مسبوق للمضادات الحيوية ويسمي بـ نانوبيوتكس ويعد من باكورة الإنتاج الطبي لعلم النانوتكنولوجي. أما في المجال العسكري, فقد تم في الولايات المتحدة تأسيس معهد البحوث التكنونانوية, بحيث تصنع للجندي في المستقبل القريب بدلة عسكرية ذكية مصنوعة من مواد تكنونانوية, ومجهزة كومبيوتريا لكي تقيه من الحرارة والبرودة والإشعاع وموجات الضغط, وفي الوقت نفسه تكون خفيفة الوزن, ومريحة في التنقل, وقد تكون في وقت من الأوقات القريبة غير مرئية للعين المجردة مثل الذي يرتدي طاقية الإخفاء, وهناك تجارب ودراسات حول إمكانية ملاءمة الجنود مع البيئة المحيطة بهم مثل إمكانية القفز عبر جدران عالية, وإمكانية المعالجة الذاتية للجروح. والنانوتكنولوجي هو الجيل الخامس في عالم الإلكترونيات, وقد سبقه الجيل الأول الذي استخدم المصباح الإلكتروني, والجيل الثاني الذي استخدم الترانزستور, والثالث الذي استعمل الدوائر الإلكترونية( الآي سي) ثم الرابع جيل المعالجات الصغير( المايكروبروسيسور) ونحن الان نعيش في الجيل الخامس( النانوتكنولوجي) والذي لم يطبق بالكامل بعد, وهو جيل المستقبل أو الجيل القادم, ولقد تمكن الباحثون الألمان من تخزين المعلومات في ذرات قليلة وقراءتها, وإذا ما استمر النجاح في هذا الاتجاه فإنه سيصبح قريبا من الممكن تخزين كل ما تم إنتاجه من الأدب العالمي علي رقاقة بحجم الطابع البريدي, وهناك أيضا استخدامات للنانوتكنولوجي في معالجة المياه الآسنة والنفايات السائلة الناتجة عن المصانع وذلك عن طريق ضخ جزيئات نانوية عبر التربة لتصل بذلك إلي أماكن وجود النفايات بغية هدمها وتحويلها إلي مواد غير ضارة عبر تفاعلات كيميائية خاصة, وكذلك تمكن العلماء الألمان من اكتشاف وسيلة نانوية جديدة من أجل حفظ المخطوطات القديمة وحمايتها من التلف ومن تأثير العوامل الخارجية عليها.
وبعد أن أسهب الدكتور النشائي في شرح مدي احتياجنا لأن نبدأ فعليا في استخدام النانوتكنولوجي قبل أن تصبح تكنولوجيا مقصورة علي دول بعينها وهي التي بدأت فيها بالفعل مثلما حدث في أبحاث الذرة, سألناه: وما الذي ينقصنا لكي نبدأ؟ وهل هذه التكنولوجيا خاصة بالأغنياء؟ وهل لها من عائد قريب يجعلنا نسارع بجعلها أولوية قومية مع مانواجهه من أزمات ومشكلات اقتصادية؟ وكان الجواب: أما عن الذي ينقصنا فنحن لدينا الكوادر والعقول البشرية المتخصصة التي يمكنها أن تبدأ وتقود هذه المنظومة, ولدينا البنية التحتية العلمية في كثير من المراكز البحثية والعلمية, التي قد ينقصها بعض الأجهزة التي يمكن أن تستكمل, أما ما يتبقي فهي الخطة المتكاملة للتنفيذ, والموجودة في مكتب الدكتور هاني هلال وزير التعليم والبحث العلمي, والتي وضعها د.النشائي منذ عهد د.عمرو عزت سلامة الوزير السابق, والتمويل, الذي يمكن أن يأتي من خلال التعاون بيننا وبين السعودية والكويت وقطر والإمارات للاستثمار في هذا المجال ـ وبحسب ما قاله د.النشائي ـ فهم مستعدون للتعاون معنا في هذا المجال بشرط أن يكون هذا التعاون تحت رعاية القيادة السياسية بشكل مباشر لما لها من ثقة ووزن لديهم ولخوفهم من الروتين.
وأخيرا أجاب د.شريف الإسكندراني عن الجدوي الاقتصادية من إدخال مثل هذه التكنولوجيا, فذكر أن هناك820 شركة علي مستوي العالم الآن تستخدم تقنية النانوتكنولوجي في أغراض مختلفة, بلغت أرباحها في نهاية2006 نحو100 مليار دولار, من بينها80 شركة في إسرائيل, التي أنشأت هيئة مستقلة لأبحاث النانوتكنولوجي عام2003 بميزانية1,3 مليار دولار تتبعها7 مراكز أبحاث متميزة ويعمل بها270 عالما اسرائيليا, ومن المتوقع أن يصل دخل الشركات الـ820 علي مستوي العالم عام2015 نحو تريليون دولار من منتجات النانو, ولقد صنعت كوريا نانو بروسيسور أو معالجا للكومبيوتر بطريقة النانو واستطاعت أن تنافس به شركة إنتيل العالمية, وحققت من خلاله فقط دخلا سنويا لمبيعاته وصل إلي750 مليون دولار.
وأنا متأكد أن الرئيس مبارك ـ بما له من ثقل ـ لو جعل هذا المشروع مشروعه القومي لأصبحت مصر في غضون السنوات العشر المقبلة فقط من الدول الكبري في هذا المجال, ولأصبح أمام الرئيس مبارك فرصة لعبور آخر إلي المستقبل مسجلا اسمه بحروف من نور في كتب التاريخ كمؤسس لهذه الثورة العلمية التكنولوجية والنقلة النوعية لمصر, مثلما سجل التاريخ لمحمد علي أنه كان مؤسسا لمصر الحديثة ومثلما فعل مهاتير محمد في ماليزيا.
بقلم: د. عبدالهادي مصباح
صحيفة الأهرام المصرية